الأربعاء، 27 يوليو، 2011

حوار مفتوح مع الفنان شوكت الربيعي أحرت الحوار الشاعرة والرسامة نوال الغانم - الجزء الثالث

nawal_kanimخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمهُ من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الفنانة التشكيلية والشاعرة: نوال الغانم.

س18: نوال الغانم: لبيئة الأهوار تأثير واضح على المنتج الفني للفنان شوكت الربيعي الإنسان؟.
ج18: كان بعض نقدة الفن الذين تعنيهم هذه التجربة، يفضلون النظر الى كتاباتي الذاتية في اليوميات المدهشة خاصة، كما لو أنهم يتأملون بالفهم نفسه لوحاتي عن الاهوار والفلاحين والحياة اليومية في مدينته العمارة.). وهي أعمال تعبيرية غير تشخيصية تماما، عالجت فيها اعادة تشكيل وتركيب معمار اللوحة الفني وتبسيط العناصرالشهودية للفلاحين ومساقط الحقول والاهوار والصرائف والزوارق وصيادي السمك وطيور الحذاف والخضيري وتيجان القصب وأعراش البردي.

كانت تلك الإنجازات، تعني: البداية في اطار زمني محدد ومكاني معلوم (أي نأخذ التجربة التشكيلية ـ الأدبية، وننظر اليها في ظروفها وبيئتها)، نذكر منها الأعمال التي تستلهم عالم الفلاحين والاهوار المنفذة في بيئتها وزمانها ومكانها مابين الأعوام -1963م – 1973 والتي قدمتها في المعارض الشخصية والمشتركة مع جماعة الجنوب للفنون التشكيلية وأعضاء جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة عندما كنت رئيسا منتخبا لها. بينما كان الفنان الدكتور قتيبة الشيخ نوري رئيسا للجمعية – المركز العام.
لقد منحتني ظروف الحياة الصعبة، فرصة التعرف على تفاصيل وملامح طفولتي وصباي بقليل من التأمل والتفكير.

س19: نوال الغانم: إلى أي مدى أنت راضٍ عن ترجمتك لهذه البيئة والتي مثلت قاسماً مشتركاً لعددٍ كبير من لوحاتك الفنية الزيتية التي ضجت بها الأتيليهات وقاعات العرض الفنية.. عربياً وعالمياً؟
ج19: تعد النظرة الواعية في المكونات من أبرز الخطوط التي يستخدمها المبدع لرسم مسار تجربته وهيأتها، لأنها تعبر، على نحو ما، عن شخصيته وتكشف عن روافدها وفعالياتها وأحلامها، إذ "يتمثل في السيرة الذاتية عادة الإحساس المتزايد بالوعي الذ اتي"، وتمخضّت هذه النظرة عند محمد القيسي عن مقاربات كثيرة تحيط بالمنطلقات الأساسية لفلسفة تكوينه الشعري، انطلاقاً من الجدل الحاصل بين الذات بفضاءاتها الخفية الغامضة، والعام في مشكلاته التقليدية عن التشكيليين في صياغة سيرة تجاربهم الفنية- وتلك هي صيغة التعرف على مفاتيح التجربة وتحولات الشكل الفني الجديد، في بنية عموم التجربة.
- إن العلاقة الجدلية بين المبدع الفنان والمبدع الناقد تعكس نمطاً من الثنائية المنتجة، ويتوقف ذلك دائماً على صحة هذه العلاقة وتوازنها وحضاريتها، ويتدخل الناقد في سيرة الفنان الأسلوبية أو الصياغية أو الجمالية حتماً لأنها تدخلات ضرورية، إلا أن التشكيليين بخاصة، والفنانين بعامة، غالباً ما يضيقون بهذه الضرورة، ويعلنون في أية مناسبة تتاح أمامهم عدم أهمية ما يكتبه الناقد في النظر إلى تجربتهم وتقويمها، لكنهم في الوقت عينه يتحرقون ويتطلعون دائماً إلى ما يقوله الناقد بشأن إبداعهم، ونجد أن هذا الموضوع على أهميته الكبيرة لم يتردد صداه كثيراً بين الفنانين في خلوتهم. وربما يقول أحدهم: "لست معنيا بما يقول النقاد). وهذا غير صحيح. لأن تنظيرات النقاد وتطبيقاتهم لا تأتي من خارج الأعمال الفنية.
إن وظيفة الفن الوحيدة، تحتل مكانا في نطاق العلم أكثر مما تحتله في نطاق الفن، لتكوين مدرك للفن كجزء من العملية العضوية للتطور البشري مما يقودنا الى السؤال عن ماهية الفن. اذا اعتبرناه ليس مجرد أشياء. فهو كائن في كل ما نصنعه لإمتاع حواسنا،. لأن هناك عنصرا جماليا في عملية الإدراك ذاتها.
لهذا نجد (أن المعنى الحقيقي لكلمة شكل أو هيئة، هو اتخاذ شكل أو هيئة معينة). وهذا هو معنى الشكل في الفن ولا فرق بين البناء المعماري أو التمثال أو الصورة أو القصيدة أو المعزوفة فجميع هذه الأشياء تتخذ شكلا معينا خاصة. وهذا هوشكل أو هيئة العمل الفني). وإن الشكل لا يمكن إدراكه إلا باعتباره لونا ولا يمكن الفصل بين ما نراه كشكل وما نراه كلون، لأن اللون هو تفاعل يحدث بين شكل من الأشكال وبين الأشعة الضوئية الساقطة عليه. والتي بها نرى الشكل. وما اللون إلا المظهر الخارجي للشكل، ومع ذلك فإن للون دورا هاما يلعبه في الفن لأن له تأثيرا مباشرا على حواسنا. وأن التنوع في المجال اللوني يتمشى مع التنوع في انفعالاتنا. وقد يكون هناك تفسير فسيولوجي لهذا التوازن بين الألوان والإنفعالات.
كما إن العمل الفني يرتكز دائما على مبدأين أساسيين هما:
(مبدأ الشكل)، وهو مشتق من العالم العضوي ومن الجانب الموضوعي العام لجميع الأعمال الفنية. أما الثاني فهو(مبدأ الإبداع) الذي يختص به عقل الإنسان ويدفعه إلى ابتكار وتذوق ابتكار الرموز والأخيلة والأساطير التي تتخذ لنفسها وجودا عاما. أما الإبتكار فهو وظيفة من وظائف التخيل. ويصل هذان النوعان من النشاط العقلي في تفاعلهما معا إلى ما هوابعد بكثير من جميع الجوانب النفسية للخبرة الجمالية، غير أن للفن جوانب اخرى، بيولوجية واجتماعية لا يمكن لنا أن نقلل من أهميتها. كما الحياة ذاتها جمالية في منابعها الجوهرية والخفية، اذ أنها ناتجة عن تجسيد الطاقة في شكل لا يكون ماديا فحسب، بل جماليا أيضا. وهذا هو المبدأ الشكلي الذي نلحظه في تطور الكون ذاته.
ويبدوأنه كلما استطاع عالم الطبيعة أن يميط اللثام عن البناء الطبيعي للعالم كلما اعتمد على توافق عددي له جوانبه الجمالية الممتعة. ولا يقل عالم الطبيعة عن عالم الجمال استعدادا في تقبل نظرة إلى الكون ترى أن التباعد بين الخبرة الجمالية وما وراء الجمالية وبين الخبرة العلمية وما وراء العملية هو اساسا تباعد بين ما هو قابل للقياس وما هو غير قابل له. وما بين الملموس وغير الملموس).

س20: نوال الغانم: كيف تقرأ عين شوكت الربيعي الفنان والناقد التشكيلي ردة فعل المتلقي لعملٍ ما، لكَ أو لغيركَ؟ وهل كان لها دور في إعادة صياغة رؤاك، فكرتك وأدواتك الفنية وخامات العمل فيما بعد؟
ج20: كان النقش الأشد عمقاً في الذاكرة، قد حفر بتأثير الرسم.. فكم رسمت على واجهات البيوت والأبواب وأرصفة الشوارع، فلا يبلغ قلبي شئ أشد تأثيراً ووقعاً في النفس وفي أحلام الطفولة من الرسم، بحيث تشكلت المكونات الأولى من ملامح الرسام في داخلي، فتملكتني نشوته (الرسم). وكنت في أرق الحالات عشقاً وشجىً لطفولتي، وخاصة مفردات مرحلة الكمون الإبداعية التي كنت أتحسس بسطوتها مادة الطين. وهي أول ملامسة للحب خلال العمل، أشعرتني بالفرح الغامر وبالمتعة الرائقة. كما كانت تقودني إلى اكتشاف أفكار خارقة مسّتني كشجرةٍ صعقتها بروق أرباب الفن الخارقين، وغمرتها بخمر العشق.. فهل لابد لذلك العشق الذي لا عشق اجمل منه أن يعاني الحرمان؟.. وهل أن ما نحبه ليس إلا ظلاً؟.

وكان بعض نقدة الفن الذين تعنيهم هذه التجربة، يفضلون النظر الى كتاباتي الذاتية في اليوميات المدهشة خاصة، كما لو أنهم يتأملون بالفهم نفسه لوحاتي عن الاهوار والفلاحين والحياة اليومية في مدينته العمارة.). وهي أعمال تعبيرية غير تشخيصية تماما، عالجت فيها اعادة تشكيل وتركيب معمار اللوحة الفني وتبسيط العناصرالشهودية للفلاحين ومساقط الحقول والاهوار والصرائف والزوارق وصيادي السمك وطيور الحذاف والخضيري وتيجان القصب وأعراش البردي.
 كانت تلك الإنجازات البسيطة بالنسبة لي، تعني البداية في اطار زمني محدد ومكاني معلوم، (أي نأخذ التجربة التشكيلية ـ الأدبية، وننظر اليها في ظروفها وبيئتها) نذكر منها الأعمال التي تستلهم عالم الفلاحين والاهوار المنفذة في بيئتها وزمانها ومكانها مابين الأعوام -1963م – 1973 والتي قدمتها في المعارض الشخصية والمشتركة مع جماعة الجنوب للفنون التشكيلية وأعضاء جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة عندما كنت رئيسا منتخبا لها. بينما كان الفنان الدكتور قتيبة الشيخ نوري رئيسا للجمعية – المركز العام.
كنت في بلدة العمارة أرسم، وأخطط المشاهد الآنية المتلاحقة في حركة السوق وطبيعة الناس الغادين والرائحين، وخلفهم محلات صباغي الملابس (والوشائع) الصوفية والقطنية، وكانت قطع من الأقمشة ولفّات الصوف الملونة (والبيرمات) والإزارات، تتدلى من ثوابت معلقة أعلى سقف السوق، فيجعل منها الصباغون مهرجاناً رائعاً من الألوان البراقة. وما أجمل مشاهدة هذا التداخل الزاهي للنساء القرويات والفلاحين والأطفال والحيوانات المحملة بأنواع الأكياس الملونة والبضائع وألوان النحاس والقدور والمواعين، كأنها لوحات متحركة مركبة كوديان مزخرفة متموجة..
رسمـت المدخل في السوق الرئيس ثم في الأسواق الشعبية الفرعية، سوق الصفافير وخانات التمور ومخازن الأخشاب وسوق النجارين وعلاوي الخضراوات وسوق الخياطين والعطارين وبائعي (الباجة) والكباب، ومقاهي الأسطوات البنائين والنجارين والدباغين والندافين والإسكافيين والصاغة والصباغين وبائعي الحلوى ومحلات (الشكرجية والحلويات) وبائعي الأقمشة وبائعي الطرشي والفخاريين والحمامات الشعبية ومساطر العمال (الشغيلة) ومطاحن الحبوب ومرابد المواشي شمالاً، ونهاية السوق المسقوف الكبير حتى شارع بغداد والسراي غرباً، وابتداء بخانات الخشب وطاحونة (الحاج سوزة) شرقاً، وحتى بداية المحمودية والصابونجية جنوباً.. هذه أغنى مادة فنية يحلم بها رسام يتوج بها مضامين لوحاته وأشكالها بروح الحياة وبالواقع الاجتماعي..

س21: نوال الغانم: قرأت في سيرتكم الذاتية انك درست النحت الى جانب الرسم وتتلمذت على يد جواد سليم ثم الأستاذ عبد الرحمن الكيلاني، ولكنك لم تمارسه. أليس كذلك؟ ودرست الخط العربي والزخرفة الاسلامية على يد المرحوم شيخ الخطاطين المسلمين العرب الأستاذ القدير محمد هاشم البغدادي، ولكنك لم تمارسه بعد التخرج. أليس كذلك؟ ودرست الفخار والخزف والجداريات والسيراميك، لعامين مع الأستاذ القبرصي فالنتينوس ولكنك لم تمارسه، أليس كذلك؟. فقط فن الرسم، هو الذي الذي سحرك فاحتضنته و(طاوعته وطاوعك) أليس كذلك؟؟؟
ج21: نعم هذا تشخيص صحيح جدا. كان منهج معهد الفنون الجميلة الزاميا، ويفرض علينا تنفيذه. ولكن اسمحي لي ياأختي الكريمة نوال الغانم المبدعة، ان أبدا كيف تعلمت النحت الرليف خاصة. كنا نستخرج من طين ضفاف دجلة، برفق وأناة، (قوالب) كثيرة من بين حقول منفرشةٍ من المساحات الطينية المتشققة ذوات السطوح المنصقلة.. نختار القطع الصافية الملائمة للنحت البارز من سواها، ننظفها وننظم نهاياتها ونحفر عليها حزوزاً لأشكال حيوانية ومشاهد طبيعية مختلفة.
وهي إحدى وسائل تنفيذ النحت البارز أو الناتيء. ومن غرين ضفة دجلة، بدأت قصتي مع النحت، التي لم تقاوم حضور الرسم فتغلبت عليه. كما تعلّمت، الزخرفة والخط العربي، فكنت أرسم الحرف العربي رسماً أو أطبعه بواسطة ورق (الكاربون) ثم أرقش الأشكال الزخرفية وأقلّد رسم هيئات مختلفة وأضبط أبعادها اللونية بالمربعات.. وذلك، بوضع شبكة من الخطوط المرسومة بدقة مستخدما مسطرة محددة بالملليمتر وقلما مستدق الرأس يستخدم للكتابة على الشمع، وألوانا في غاية الروعة والغرابة لصغر حجمها: (انها صغيرة جدا، حين أقف امامها وأتأملها فأجد دقتها ممتعة وجميلة..) ولذلك كنت أرسم وجوه الأشخاص بالباستيل أو الأقلام الخشبية الملونة. وكانت أول صورة رسمتها بقلم الفحم، لوالدي الذي أسعدته كثيراً وانشغل يعلقها على جدار (ديوانيته) متباهياً أمام أصدقائه بميلاد رسام صغير في عائلتنا..

كنا نسمع ضجيج أطفال يسبحون في المناطق الضحلة من النهر، فالتفت صوبهم، ولمحت اثناء ذلك، عامل الطابوق (جبار اللواح). الذي اشتغلت معه في معامل طابوق جبوري حنا الشيخ في مدينتي، كان واقفا هناك، كما عهدته منذ سنتين، يتردد إلى شاطيء دجلة لمعرفة إقامة (الثمارة) الذين كانوا يتخذون منها أمكنة لمبيتهم. وكان يتسلل في الليل ملتفا بعباءته السوداء، إلى الجهة التي تنام فيها (الحريم)، فيستلقي إلى جوار امراة منهن، فإن تجاهلته، زادها قربا، حتى ترغب. ولم يكتشف أحد سره أبدا.
هززت رأسي وابتسمت بخفر، وها نحن نعبر الجسر عائدين إلى محلة (الجديدة)، وأمامنا مساحة أرض خربة متروكة، يملأها الشوك والخطي وأكداس من العلب الفارغة، وصناديق شاي السيلان الصغيرة المصنوعة من خشب المعاكس الخفيف، وبعض عثوق التمر اليابسة وقناني عرق (هبهب وزحلاوي ومسيح) فارغة ومشروبات روحية أخرى نصف ممتلئة، واخرى منكسرة. وكارتون سجائر لوكس والمختار والممتاز وعلب سجائر غازي وكأن(الخرابة) غدت مكبة المهملات والأوساخ. قبل ان تبنى عليها دائرة بريد المدينة المركزي التي كان مديرها شاكر باشا (وكان ولده سعد من هواة رسامي مدرسة الامام الصادق الابتدائية ورافقنا طيلة سنتين).
وكانت تزهو إلى الشرق من نهر د جلة، الحدائق الغنية بأشجار الكالبتوس الكثيفة والنبق والتين والرمان ونخيل التمر المختلفة وتتوسطها المكتبة المركزية في اللواء، وتقع إلى الشمال منها ملهى الحمراء وسينما الحمراء الوحيدة في المدينة. وكان ابن عمتي (عدنان) يعمل فيها ليلا، فيصحبني معه إليها، مرة في الأسبوع لمشاهدة (فيلم) جديد يعرض كل يوم اثنين.. وكنت أراقب صديقه (جلّوب) الخطاط وهو يرسم إعلانات الأفلام السينمائية الجديدة.. وكنت أراقبه وهو يمسك بالريشة و(يكّبر) وجوه الممثلين ويخط أسماءهم.. كنت منبهرا كذلك بمراقبة الخطاط العماري الشعبي (عارف) الشهير بين سواق السيارات بتزويق وتزيين مركباتهم الخشبية القديمة (الكلسلر والدوج والفورد والشوفر)، وكان يرسم (مشاهد طبيعية) من نخيل ونهر وزورق شراعي، ثم يضيف إليها بخطه الفارسي الجميل: (هذا من فضل ربي.. والحسود لا يسود).. وكان قصير القامة، نحيل البنية تشدني في ملامحه المألوفة، عيناه الواسعتان وحاجباه الكثان وأنفه الساقط على شاربين ناعمين، وقد ارتسمت على وجهه، تلك الطيبة الرقيقة المنغمسة بأحزان ثقيلة.

 لقد رسمت كل ذلك في لحظات انفجارية أرغمت فيها الجوانب المستعصية على دخول عالم اللوحة الملونة بتركيز لا تبلغه إلاّ حياة العمال نفسها. ولم أعرف لتجربتي البسيطة هذه قدرة مماثلة على تصوير فضاءات العمال النفسية وعوالمهم الاجتماعية. وتوقفت سائر محاولاتي في الرسم لسواهم عن أن تكون فناً حقيقياً.. تنفست معهم أطنان السموم والغازات والكربونات المحترقة، وأذابتني حرارة تموز وغبار الأيام الرطبة، فتعفّن منها جسدي مرات عديدة، وتنقعت بالملح الأبيض ثيابي الخشنة، وتلونت عيناي برماد الأفران التي كنت أبحث فيها عن أشكال غريبة من الأحجار المتكسرة المحترقة المتصخرة تماماً، وكأنها قطع مزججة باللون الأخضر ودرجاته، وبعضها باللون الأحمر وسحناته، لأصنع منها تماثيل صغيرة تكونت أجزاؤها على هيئات وملامح تشبيهية، ثم أتلاعب في بعض زواياها واتجاهات شكلها وبنائها العام لأنتج منها ما يشبه النحت، وهي طريقة تعلمتها منذ أن كنت اقتطع قوالب الطين من شواطئ نهر دجلة، أيام طفولتي وبواكير صباي.

س22: نوال الغانم: متى يعطي الفنان التشكيلي شوكت الربيعي ظهره الى لوحةٍ أعطاها من روحهِ وعقلهِ ووقتهِ الكثير، لكنه بعد فض الإشتباك معها يبدأ النظر اليها بعين الناقد المحايد، فيكتشف انها لم تعبر التعبير الكلي عن طموحه، يعود فيشطبها ليبدأ من نقطة الصفر؟ هل حصل مثل هذا في حياتك الفنية؟
ج22: نعم حصل ذلك كثيرا، وفي عدة مرات. هناك تخطيطات ولوحات أرسمها بسعادة، وأنسى التقرب اليها مجددا خشية الدخول في معالجة مستنبتة من الحالة الجديدة التي أكون عليها لحظة المباشرة بالرسم. أضعها جانبا أو أخفيها عن ناظري، أنساها. لكي أتفقدها بعد حين.. وهناك نتاجات كنت أراها بنوع من التقدير، دون الموافقة عليها أو رفضها، ولوحات أخرى تبقى في المرسم معلقة على جدار المحترف أو في المنزل. مع العائلة، لاننا أحببناها بعمق.. وهناك أعمال لا تحتاج لتعليق مني على معالجتها السريعة في الصياغة النهائية للشكل العام.. إذن، فمشاهدة العمل الفني الحقيقي، هي حوار الرؤية الذي يتم بصمت. هذه العملية تعطي تجربة الذائقة الفنية بعدها الواقعي، فاللوحات المعلقة على جدران المتاحف وقاعات العروض الفنية، وفي مراسم ومحترفات التشكيليين، تتحدث الى مشاهديها. وهي عملية ممتعة للعقل والجسد، فيها لذة التوحد مع الفن.

س23: نوال الغانم: كلاكما يندفع نحو الآخر بسرعة هائلةٍ، الفكرة ورؤاك؟؟.
ج 23: لم يكن التفكير بالقلق والخوف والمعاناة، الذي يقع بين الفكرة والرؤى، من الأمور التي تتجسد فقط في سوى تحقيق فكرة واهداف الحرية، انما بالرؤية الصادقة الصحيحة التي تحقق أهداف وغايات ومجالات التجربة الفنية الشخصية التي ستؤدي الى خدمة أغراض مجتمعية مستقبلية.. وقد ترسخ عندي وضوح وثبات الفكرة، وتبلورت معالم الرؤية عن المصير الفردي والجماعي الذي نجعل منها محور حياتنا الفنية والأدبية والسياسية، ومحور تفكيرنا الدائم من حولنا.. ان أكبر نقاط ضعفي هو خوفي من المجهول. لأنني ما زلت أعيش حالة اغتراب نفسي وليس وضعيا – موضوعيا. والخوف من المجهول أشمل من الخوف من المستقبل.
ولكننا سوف لن نكون مغتربين ووحيدين الى الأبد. أبدا. لأننا ننتمي الى عديد من صفوة فاعلين منتجين، كانت عزلتهم مضيئة بحرية فنونهم وأدبهم وفكرهم وموقفهم ورؤيتهم المستقبلية. وهكذا (تحتل الحرية، فكرة ومفهوما وشعارا، مكانة واسعة في تحليلات قلة من المبدعين وبخاصة:
"طلائع الشباب"، وهي رؤية تشكل حجر الأساس في الثقافة البصرية والشعرية والسردية. وبالنسبة للأدب والفن، تغدوالحرية شرطا جوهريا عند المنتج وعند المتلقي، تتحكم في التعاقد بينهما وتصير أفقا لهما، بل وغاية في حد ذاتها. والموقف الأرحب، الأنفع، الأجدى، من بين أنسجة فكرة الحرية، أن يتم تفسير سمات الفن والأدب في الجوهر، الذي هو مجتمع يعيش ثورة دائمة.
نحن هنا نسعى الى تقديم أجوبة متناسقة مجتزأة من الفلسفة والتاريخ والسوسيولوجيا ونعتمد منهجا تحليليا ينصب على القضايا الفكرية وعلى الأحداث المحيطة، وننتهي الى الكشف عما تنطوي عليه الحياة من تفاصيل ومواقف تعكس نوع حرية التعبير الفني والادبي. وهذا الكشف المعاش لا يكون قويا ومقنعا الا من خلال فنية الأسلوب والشكل. لنتخذ منه موقفا، ونجعل منه مادة لابداعنا الفني. ان المشروع النقديّ المقصود، قائمٌ وحيوي ومتجدد يعكس ما يحيط به من أحداث ومتغيرات وهو مستمرٌّ قدر الاستمرار بالبحث والتقصي والانتاج المتميز الذي بلغ العشرين كتابا والثلاثين معرضا، منذ اتقاد جذوة الحلم بولادته.. وتدلل توجهات كتاباتنا النقدية في مجال الفن التشكيلي العراقي والعربي، على امتداد تاريخنا التشكيليّ العربي، على ضرورتها التاريخية وقيمتها الجمالية والوظيفية، التي ندرك حضورها الحقيقي اللازم الآن فقط.. و(كان من حوافز الابداع الفني الأساسية)، الشعور بأننا جوهريون قياسا الى العالم. و(معنى الابداع) هنا يكمن في القيمة التي تحركها الحرية، والقارئ أو المشاهد او الناقد، هو الذي يعطي وجودا للنص وحضورا للعمل الفني، إذا مارس حريته: - وليس هناك فن إلا من أجل المجتمع وبواسطته، وليس هناك ثقافة أمينة على دورها الوطني والقومي والانساني، الا من أجل الناس أجمعين.
 l6
س24: نوال الغانم: هل يخاف شوكت الربيعي الفنان المرهف أو يرتبك من ارتطامهما ببعض؟
ج 24: ان اكبر نقاط ضعفي هو خوفي من المجهول. والخوف من المجهول أشمل سايكولوجيا من الخوف من المستقبل. (وقد كررت ذلك مرات ومرات) كما أكررها الآن، مرتين. ولكننا لانخشى التعارض والارتطام بين الفكرة والرؤية. كما شرحنا أسباب ذلك من قبل.

س25: نوال الغانم: إذا ما إرتطمت الفكرة والرؤى، هل لهذا الإرتطام تأثير في خياراتك اللونية والسيمائية؟
ج 25: ليس هناك من تعارض أبدا. كلاهما كيان واحد في خياراتنا اللونية والسيمائية.. الأذين الأيسر والبطين الأيمن في قلب واحد.

س26: نوال الغانم: أيهما يروض الفنان والناقد التشكيلي الكبير القمة شوكت الربيعي والى اي منهما يميل اكثر؟ ولماذا؟
ج 26: ان العادات العقلية المميزة لدينا هي: المثابرة، التحكّم في الاندفاع والتهور، الاصغاء الى الآخرين بتفهم وتعاطف، التفكير بمرونه، تجاوز حدود التفكير التقليدية الى التجريد والتفكير ما وراء المعرفي، توخي الدقة، التساؤل والحوار والمناقشة، تطبيق المعارف السابقة في المواقف الجديدة، التواصل مع الآخرين، الاستخدام الأمثل للحواس، ابتكار حلول غير مألوفة للمشكلات، تجنب المخاطرة والمجازفة، والتمتع بروح الدعابة والمرح.. ومن كانت هذه سماته، فلن يروضه أحد.. أما لماذ؟ فبسبب نوع العادات العقلية المميزة لدينا.

س27: نوال الغانم: أيهما لها الغلبة عند شوكت الربيعي الفكرة أم الرؤى؟
ج 27: لا يمكن الاستغناء عن الرؤى لصالح الفكرة، ولايمكن التنازل عن بعض أساسيات الفكرة لصالح الرؤى.

س28: نوال الغانم: عندما يتعامل الفنان مع لون محبب إليه، تصبح فرشاته وأدوات الرسم مراكب تنزلق بخفة على الماء،" اقصد الخامة"؟.
ج28: إن ظهور هذا الاتجاه الأخير في لوحاتي، كان قد حدث، بتاثير من تجربة بول سيزان، ومن الرؤية المستولدة عن نسخ لوحاته، ومن تفاعل العقل الواعي والحالة النفسية. تمكنت أن أفرز أوأفصل الادراك الحسي بالطبيعة وما ورائها من رؤى رومانسية وميتافيزية، بينما استطاع سيزان ان يفصل (إدراكه الحسي) بالطبيعة، وماتفعله (وراء ذلك الحس) أي (إثارة التراكمات) المترسبة في العقل اللاواعي، بينما عكس الفنان (كلود مونيه) أيضا، تأثيرات الضوء المباشرة وفعلها الفيزياوي على الحواس وفي (شبكية العين بالحصر) في هذا الصراع بين ماترسله الحواس الى العقل الواعي، وماتثيره من (كوامن) في العقل الباطن في اعمال الفنانين ظهر (ماتيس- 1869-1954) واسلوب (الوحشيين جماعته (أطلق الناقد لويس نوكسيل هذا الاسم عليهم عام 1905). كان هذا الاسلوب حسب ماعبر عنه (ماتيس) يعتمد (التعبير) أي اعتماد تفاعل (العقل اللاواعي) كما يحدث في بعض (الاحلام) مع العقل الواعي، ويقول،أن العمل الفني (فكري) أي اعتماد (الوعي) الذي يتضمن فعل (التنظيم) أي وضوح الصورة و(التعبير) أي نقاء الحس (فعل اللاوعي) فكانت (كياناً من عمليات تشتغل في الخيال).. أنا قرأت ذلك في كتاب: (هربرت ريد/الموجز ص/32) أي (الادراك) الغامض للشئ، فعل اللاوعي). وقبل قرائتي لذلك النص، لم أكن أدرك ذلك. لم أعرف أين موقع قدمي من كل تلك التجارب السابقة في تاريخ الفنوالكلاسيكية والحديثةن لهذا نوصي الفنانين الشباب وهواة أدب النقد الفني بالقراءة الدائمة ومتابعة ما يستجد في المكتبة العربية والفرنجية متابعة متواصلة. واستحصال العلم مهما بلغ بك العمر واستبد بك الأذى..
وإذا كان بيكاسو"1881-1973" وجورج براك "1881-1963" (قد تعلما من لوحات سيزان كيف تتكون النظرة الهندسية في الطبيعة لإيجاد الأشكال المجردة بمساحات هابطة وأفقية وخطوط متضادة، حادة ولينة، ملتقية ومتوازية، عمودية ومستوية)، فإنني كنت قد اتجهت إلى اللون وحده عند سيزان.. وقبل هذا لم نكن نعي حقيقة التركيب الضوئي الذي كان يقصده في لوحاته التي مادتها الطبيعة والإنسان والفواكه والخضراوات، وتلك المشاهد التي كرر رسمها من مقاطعة أكس آن بروفانس، وقمة القديس فكتور وقرية استاك.. وكنا نعتقد أن هدفه في التصوير كأولئك الذين يعملون على إتمام الصورة وإجادة صنعتها، ولكننا الآن أصبحنا مقتنعين بأن رساماً مثله لا يمكنه التفكير بهذا الأسلوب.. فالاتجاه إلى الصناعة التي تطمس معاني الفن بمحو العلاقات اللامرئية، الأساس في تتابع الصلات الرقيقة بين ذات الفنان وإنتاجه: "كل عالم قائم بذاته ومنفصل، ولكن إيجاد العلاقة بينها مهم وضروري" وهذا ما استحوذ علينا في الآونة الاخيرة، أي الفترة التي نراجع فيها ما قدمناه قبل انهائنا الدراسة الفنية، وابتداءً من إقامتنا للمعارض الشخصية عام 1964 وانتهاءً في 1/1/1969 حيث المعرض الخاص بالملصقات الجدارية.
انقطعنا بعد هذه الفترة عن التفكير بالمعارض الشخصية لظروفنا الخاصة، ولعدم قدرتنا على استيعاب المرحلة التاريخية التي تمر بوطننا العربي عموماً باحثين عن صياغة تقنية حديثة تخدم رؤيتنا، لنحقق إحدى دعائم تشكلنا مع أحداث العالم وحضارته القائمة على العلم والاستفادة من كل أبعاد التكنولوجيا المعاصرة.. كانت تلك الأسباب مقنعة لي في أقل احتمال، بالكف عن إقامة معارض الفن الشخصية.. ولكنه تبرير غير مقنع الآن.

س29: نوال الغانم: الى أي مدى يستطيع الفنان التحكم وخلق حالة من التوازن المتناغم بين اللون والخامة من جهة والفرشاة وحركتها من جهة أخرى؟
ج 29: تلك الملاحظة تعتمد عل امكانية الفنان التقنية ومعرفة أسرار العمل الفني. تكنيك رسام يعي مادته جيدا.

س30: نوال الغانم: متى تصبح الفرشاة أنامل شوكت الربيعي التي يعزف بها سمفونيات لونية تشيء بروحيته المرهفة؟
ج30: في كل الأزمان التي يجد نفسه فيها عاريا عن الحقيقة. أي في الوقت الذي تنمحي، أو تختلط فيه الأسماء وتتبدل فيه عناوين وأسماء الأشياء وتتداخل وتتشابك علينا الأسئلة والأجوبة وكل الأشياء.

س31: نوال الغانم: هل لحالة الفنان السيكولوجية تأثير على اللوحة أثناء الرسم والمعالجة وتنفيذ قيَّم وأفكار الموضوع المراد صياغته فنياً؟.
ج31: نعم بالتأكيد، سلبا أو ايجابا.

س32: نوال الغانم: متى يتمرد الفنان شوكت الربيعي على اللون والفرشاة والخامة؟
ج32: الحقيقة أننا لم ندرك السؤال في موقف المتسائل المراد تفسيره لمعنى التمرد؟ هل يرد هنا في معناه الوجودي أم الاستعاري، أم الرمزي الاشاري الدلالي؟ فاللون والفرشاة والخامة هذه أدوات تقنياتنا العزيزة. فهل رأيتم دودة القز تنسج الحرير، لتتمرد عليه؟ ونحن لانصطاد طيرا بمجرد اننا رسمناه محلقا في السماء. ولا نأكل تفاحة رسمناها على الورق. الله تعالى علم النحل كيف تبني معمارها الرائع المدهش: (خلية النحل) وكيف تصنع الشهد. أمامها حقول من روابي الورود والزهر والشجر وامامنا مضامين لاتعد ولا تحصى واجهت الانسانية، وأمامنا أدوات الرسم وعدة العمل. فكيف نتخلى عن النبع؟

س33: نوال الغانم: متى تكون الألوان لدى الفنان التشكيلي أداة فاعلة، ولاعباً مهماً في تعرية وكشف تداعيات وأزمات المجتمع، اجتماعياً، انسانياً وسياسياً؟
ج33: كانت مجموعة محفورات جويا قد استخدم فيها الحبر الأسود فقط. وكانت لوحة الجورنيكا لبيكاسو قد تحققت بلون واحد باللون الأسود ودرجاته وسحناته. وكات رسوم ميليه الفرنسي الساخرة قد تحققت باللون الرمادي وألوان مختزلة أخرى. وهناك محفورات ورسوم رمبرانت حزنا على موت زوجته. ويرينا تاريخ الفنون الانسانية الكثير جدا من الأمثلة الحيوية الصادقة التي ظهرت فيها الألوان وكأنها سلاح مهم في تعرية وكشف تداعيات وأزمات المجتمع اجتماعيا وسياسيا وانسانيا.
ولدينا أمثلة صارخة في الفنون الفلسطينية والعراقية والمصرية ولدى كل مبدعي الشعوب التي تعرضت للقمع والاضطهاد والحروب والدمار والاحتلال والاستعمار. وهناك أعمال رسمت في ظروفها وبنت ساعتها، وكأنها منشورات سرية أو صرخة مظلوم، منها في المكسيك لوحات (جداريات ريفيرا وسكيروس وثمايو) وفي العراق تمثال السجين السياسي المجهول، أو المفكر ونصب الحرية لجواد سليم وتمثال نهضة مصر لمحمود مختار، وعشرات الأعمال الفنية التي كانت مشفوعة بكتابة مذكرات يومية، شخصية. وهذا مانسعى إلى بيانه لسؤلكم أعلاه.

س34: نوال الغانم: هل تبقى بيئة الفنان الأولى عالقة في ذاكرته، حتى لو غادرها تحت ظروف قسرية؟
ج34: نعم.. ألفت منازل كثيرة وممتعة وجميلة.. ولكن، ظل حنيني أبدا لأول منزل.
وكنت في العام 1959، أحدث زملائي الفنانين الشباب، آنذاك، عن كل ذلك، بينما كنا نتجمع في بهو القسم الداخلي الذي كان يقع بين المركز الثقافي البريطاني والسفارة السعودية المحاذي لسكة القطار الممتدة فوق جسر الصرافية،على نهر دجلة، والذي لايبعد كثيرا عن كلية التربية قرب (محلج القطن الطبي) في منطقة الوزيرية ببغداد. بينما كنا نحمل أدوات الرسم وعدته على أكتافنا متوجهين إلى معهد الفنون الجميلة مقابل البلاط الملكي، كعادتنا في كل صباح.. وفي بعض الطريق كنت أحدثهم عن ملاعب الطفولة الأولى، في كورة (العم ادعيج) في العمارة، وحبي الشديد للخزف والفخار والكوازين الذين كنت أراقبهم وهم يصنعون الأصص ووسائل حفظ الماء المعروفة، وينقشون سطوحها بشتى الأشكال التزينيّة المتناظرة، باستخدام "قطعة خشب" مسننة، أو ذات نهاية حادة أو مستدقة.. وعرفت أن جمالها يكمن في يد وفكر الكواز لا في نوعية الطين وحده.. كما تدربت على تشغيل الدولاب بقدمي الاثنتين بصعوبة، لأنه يستدعي قوة أعظم، فأجهدت نفسي مراراً على تحقيق هذه الرغبة التي كانت تجتاحني..
كنت أساعد العمال على نقل الإنتاجيات الطرية الرطبة التي تصنع للتو، واضعها في طوابير تمتد فوق مسطح من الأرض المكشوفة لكي تتعرض إلى الشمس مدة طويلة من الزمن تستغرق أسبوعين في الأقل قبل نقلها إلى جوف (الكورة) حيث يتم فخرها.. مثل هذه الكورة كانت تشاد على مساحة صغيرة من الطرف الشرقي لمبنى معهد الفنون في منطقة الكسرة. بناها أستاذ منتدب في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول عام 1955، هو(إيان أولد) وقد أخذ تصميمها عن الكور العراقية. وحملت هذه التجربة معها بعض الآمال لحركة واعدة في فن الخزف والفخار، تنهض مجدداً من أعماق الأرض التي أبدعتها قبل آلاف السنين من جوف تاريخ وادي الرافدين، وبروح شابة ربطت اليد بالفكر، فجعلت من الطين قوة الإبداع الساحرة في الحياة. وبعد مضي سنتين جاء الفنان القبرصي (فالنتينوس) عام 1957 إلى بغداد منتدباً للعمل في المعهد ووكنت من بين تلامذته لمدة عامين ومعه استمرت مسيرة الفخار.

لقد أسهمت تجارب الخزافين الشباب في دفع مسيرة هذا الفن خطوات فاعلة متميزة. وخرجت نتاجاتهم من صالات المعاهد والأكاديميات في العراق إلى صالات العالم في أوروبا وأمريكا اللاتينية وفي آسيا وأفريقيا.. وحفظ لنا هذا الفن صلاته الحضارية لماضيه. حين استلهم وحدات التراث الرافديني والعربي الإسلامي وفقاً لصيغ حديثة، باستخدام الألوان البراقة المزينة بتراكيب ورسوم وكتابات عربية زادت الشكل الفني غنىً متوازناً مع رموز الموضوع، متداخلاً مع زخارفه ووحداته التزينية بألوانها الخضر والزرق والفيروزي ودرجاتها البراقة على سطوح ناتئة متعرجة.
وقد منحت الفن هذه التجارب من سقاء الماء ولواعج الروح، فتنةً من ألسنة النار ولهيبها المحرق حتى فاضت بجمال التزجيج المصنع بأكاسيد مختلفة، لتغدو بريق إبداع بعد أن كانت رؤىً غافيةً في الصلصال وفي أعماق الأرض.. لقد جبلت من الطين عالمها وطرحت خلال أشكاله مضامينها، فكانت تجارب معبرة عن الرمز والرؤية والموقف الجمالي.
وا حسرتي على الكشف المتأخر الذي أحسه الآن في أهمية وقيمة فن (الفخار).. وخاصة بعد أن اغتنيت ثقافة فنية، لأتذكر طفولتي وصباي الممتلئة بعالم (الفخار، الطين، الكورة، دولاب الفخار..) (*) كان غراما محفورا في أعماق الذاكرة الغابرة.. وما أن تضاء شمعة حتى يقذفني سناها في عالم (الكوازين) و(الكورة) متخذاً من ذلك ذريعة للانسياق وراء حلم اليقظة.. وحينما أصل إلى نقطة الحزن الجوهرية في حياتي أنسحب بسرعة تاركاً خلفي المنازل الخالية في وحشتها ونومها السرمدي متوجهاً إلى (الكورة) أحرق كومة من الحطب ثم أبدأ العمل..
 كانت يدي تدرك ما يوحى إليها من أفكار، وبضغط من الخيال بدأت يدي تتحسس مادة الطين وتعشقه لغة للنحت الفخاري هذه المرة بشكل أنضج تصميماً وأعمق رؤية غارقة في التراث والحكاية الشعبية، والرؤى المستلة من اللباب التاريخي، الشعبي. نمت مع الخبرة البسيطة المرتبطة بالذهن وبالمشاعر وبتراكم التجارب في الحياة اليومية ثم أنشغل مرة أخرى مندمجاً بكل مشاعري مع كتل الطين أصنع آنية من أواني الطعام، وكنت أقول في نفسي: سوف أهدي هذه (الحبّانة) إلى جدتي (طيبة) ولأمي صنعت أقداح ماءٍ مختلفةً ودوارق متنوعةً تحفظ بها السكر والشاي و(بستوكة لحفظ الطرشي) وأخرى مزججة لحفظ تمر (البرحي المعسل).. وثانية للدبس الأسود الذي ينتج في هذه (الكورة) إذ تحرق عشرات الأطنان من (التمر الحايل)، فيتحول إلى عشرات من صفائح الدبس السائل المصفى وما يرافقه من لذة تخمير كميات، منتقاة منه. وكنت أسرف بأكل الدبس والراشي حتى نخرت أسناني وقد تطرفت في ذلك، فشربت منه ذات مرة قدحاً كاملاً، فتقطعت أمعائي منه. وعالجت نفسي بتحضير مسحوق (نومي مع شاي جاف) التهمتها بعد أن أتممت طحنها وتصفيتها من القشور والشوائب العالقة بها.
كانت علاقة حميمة بين اليد والفكر والدماغ. وكدت أنتمي في فني إلى عالم الفخاريّين، "الكوّازين"، الخزافين وليتني (كنت قد فعلت ذلك) بعد هذا الحب الجارف، يتساءل أصدقائي (ومنهم الخزافون) لماذا أصبحت رساماً بينما تعطرت فترة طفولتي وصباي برائحة الطين والأرض والنار والماء؟.. أجل فالصلة الوثيقة بين اليد والفكر والوجدان.. هي التي شدتني بقوة إلى الفخار. لعلها الفكرة إياها، المسكونة بالأزمان المتباعدة على أرض الرافدين.
كانت اليد الإنسانية تحقق وتنفذ ما يحتاجه العقل والوجدان معاً وبينهما وبين الطين والماء تولد الأفكار، وينبعث الشكل الفخاري المعبر عن الحاجة اليومية لإنسان ظل يمارس طقوسه آلاف السنين قبل الميلاد في كهوف زرزي وشانيدار وهزارمرد وكالح ونمرود في نينوى (شمال العراق) وفي سومر وأكد وبابل، فالعهد البابلي المتأخر وحتى الحضارة العربية الإسلامية..
لقد طور الإنسان العراقي خلال هذه المسيرة الحضارية وسائل إنتاجه اليومية فاكتشف واخترع وأخضع الطبيعة إلى أفكاره وطموحاته ومشاريعه.. مرَّ من عهد لآخر، وبممارسة إبداعية إلى أخرى اكثر إبداعاً وفق الحاجة الأساس اليومية.. كان الاختراع الحضاري الكبير، الدولاب الفخاري، والقرص الدوار، والعجلة، والقوس المعماري والكتابة التصويرية والكتابة المسمارية والتدوين في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد..

س35: نوال الغانم: هل للمحيط الجديد بمقوماته الحضارية تأثير على نمط واسلوب الفنان التشكيلي؟ وكيف يتمكن الفنان من خلق حالة من التوازن بين موروثه وجديدهُ المكتسبْ؟
ج35: المفترض أن يحدث حالة من التوازن بين موروثه وجديده المكتسبْ. وحدث ذلك مع الفنانين الذين عرفتهم يعيشون الآن في ظروف مستجدة وبيئة مختلفة ومحيط جديد له مقومات حضارية متباينة. واستطاعوا أن يتكيفوا ويتماهوا وينسجموا مع الظروف الجديدة التي هم فيها. ولكن الحديث عني يختلف فاحداث الماضي لاتفارقني ولا افارقها تسير معي جنبا الى جنب. مهما نأت بي الديار واختلفت الطبائع ومفردات الحياة. ونقلت فؤادي وفني وكتاباتي حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل. لقد ألفت منازل كثيرة وممتعة وجميلة.. ولكن ما يزال حنيني أبدا لأول منزل.

س36: نوال الغانم: الى أي مدى تصمد المفاهيم الموروثة في ذاكرة الفنان التشكيلي وهو يلج عالم يختلف تمام الإختلاف عن عالمه؟ فيه الكثير من المفاهيم الفنية الجديدة والمفاهيم الحياتية المختلفة تمام الإختلاف؟
ج36: المفاهيم التي تدعونها موروثة، هي محفورة على رقم الروح ومتداخلة مع أنسجة العقل والوجدان. وأنا الذي نقش ذاكرته على طين الألواح السومرية، لم يأنس أبدا لسوى وطني حبيبا أو معشوقا لونا وحرفا وبشرا.

س37: نوال الغانم: هل عاش الفنان التشكيلي شوكت الربيعي حالة من الصراع بين موروثه العراقي وبين مفاهيم البيئات الجديدة عربية او غربية بكل ماتحمله من مؤثرات؟ وما مدى تأثير ذلك الصراع إيجابياً أو سلبياً على حياتك كفنان وناقد تشكيلي؟
ج37: عشت بين تجارب فنية أساسية في الرسم لأساتذة في أوربا والصين واليابان شرق آسيا. وكانت مختلفة ومتناقضة، ومنسجمة ومتناسقة في الشكل والمضمون سعيا وراء فهم الجمال وقيمته الرؤيوية (.. الجمال نوع من العبقرية بل هو حقا أرقى من العبقرية أنه يحتاج الى تفسير، فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم أنه مثل شروق الشمس أو انعكاس صدفة فضية نسميها القمر على صفحة المياه المظلمة). وفي تعريف الفن أن هناك تصنيفات عدة للفنون يصعب ان نحيط بها في هذا السياق، لكنها في صورته النهائية كما وصلت إلينا خلال القرن العشرين تقوم كما يقول (تتار كيفتش) على ثلاثة افتراضات اساسية:
- أن هناك منظومة محددة للفنون جمعاء.
- وأن هناك تفرقة واجبة بين الفنون والحرف والعلوم.
- وأن الفنون تتميز بأنها تبحث عن الجمال وتحاول أن تصل إليه.
وكذلك فان الفن يشتمل على كل الأنظمة أو المجالات الإبداعية كافة مثل: الشعر والدراما والموسيقى والرقص والفنون البصرية وتشمل الفنون البصرية على كل النشاطات الإبداعية في الفنون البصرية الرئيسة وهي: الرسم والنحت والعمارة والخط العربي والرقش والزخرفة.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق